السيد محمد تقي المدرسي
60
التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)
الانسان كان يعرف - فطرته - ان الاعتراف باشيء اعتراف بحقه ولكنه اليوم ينكر هذا التلازم ويقول : من قال إن القيمة تنبع من وجود الأشياء ومن قال الاعتراف بالشيء يورث التزاماً كلا انما القيمة نفسك ولا غير . ويبدو ان التطور الطبيعي للفكر المادي يقودنا إلى الوجودية الملحدة التي تبلورت عند ( هايديغر وسارتر ) وزعمت أن أصل القيم « انا » وجودك ووجودي ( نفسك ونفسي ) . وهذا تطور طبيعي لعميلة القلب التي قام بها « كانت » حيث أراد ان يجعل النفس مصدر القيم - كما فعل غاليلو حيث جعل الشمس محور الوجود - من هنا رأى « روبر » ان الوجودية ، مفهوم كانتي جداً من حيث « صورتيه » فالموجود هو المصدر الوحيد للقيم ، وهو ما يماثل عند « كانت » الإرادة الحسنة « 1 » . وهذا هو مأزق المادية - إذ حسب سارتر ، لا شيء ، لا شيء يبرّرني لو تبنيت هذه الفكرة أو تلك « 2 » . إذاً لماذا الاعتراف بوجود الآخرين . وما هي صفة الالزام في البناء الاجتماعي والأخلاقي ؟ . فإذا ألغينا الآخر فلماذا الاخلاق ، وإذا اعترفنا به فما الفرق بينه وبين غيره من سائر الكائنات . ان انكار العقل والروح والاخلاق العلوية ، أدخل الفكر المادي في مآزق فمن جهة لا يمكنه ان ينكر الحقائق القائمة فيما وراء الذات ، لأنه آنئذ يقع في المثالية التي هرب منها . ولكنه - من جهة ثانية - لا يمكنه ان يبررها لأنه جعل القيمة في الذات ، ومحاولاته التوسع في مجال القيم كانت جملة من الادعاءات التي لا حجة فيها كافية . فإذا كنّا نريد قبول مثل تلك الدعاوي ، فلماذا لا نؤمن منذ البداية بالحقائق وانها مصدر القيم وحجتنا في ذلك أقوى ، وهي ان كل حق قائم ويفرض نفسه بنفسه وان علينا الاعتراف به وبحقه وانما اعترف بنفسي أيضاً بصفتي حقاً قائماً وانه لا فرق بيني وبين غيري . .
--> ( 1 ) - انظر المذاهب الأخلاقية ص 128 . ( 2 ) - المصدر ص 129 . .